عبد الحي بنيس ذاكرة البرلمان المغربي العابرة للأجيال
عبد الحي بنيس: كون خلال
دخوله قبة البرلمان، رزمة من الخصوم ومساحات كبيرة من المتعاطفين والمتحمسين
للتعامل معه.
الثلاثاء 2018/06/05
عبد الحي بنيس وعي شعبي فريد يتطور في
قلب مؤسسات الدولة
محمد بن امحمد العلوي
هو الذي عبر
زوايا الزمان البرلماني بالمغرب على امتداد 35 عاما، بحلوها ومرها، وهو الذي ملأ
الفراغ التوثيقي حتى اشتُهر بـ”ذاكرة البرلمان” وسمّي “مؤرخ المؤسسة التشريعية”.
بدأ “مأمورا” في أحد مكاتب البرلمان،
وهي كلمة يرادفها بالدارجة المغربية “شاوش البرلمان”. وكان يرى في نفسه الموظف
البسيط الذي ولج المؤسسة التشريعية في عام 1977 دون شهادات مدرسية، لكنه استطاع أن
يتخرج منها كمؤرخ ذي ثروة معرفية في المجال التشريعي ومجموعة من المؤلفات نالت
الشهرة عالميا.
في مطلع
الستينات من القرن الماضي كان عبدالحي بنيس تلميذاً اعتاد الهرب من الكُتّاب
والمدرسة. كان العضو السابع في أسرته التي سكنت مدينة فاس. ويكمن سر ما أصبح عليه اليوم، في تربيته؛ ففي طفولته كان
والده يوازن بين الشد والإرشاد والعطاء والإمساك والعقاب والإرضاء، ثنائيات جعلت
بنيس يمتلك شخصية مركبة تجمع بين قوة الإرادة والحركية والروح القيادية والتحمل
والتصرفات المزاجية أحيانا، يقول “لا أرتكن إلى الاستسلام والانتظار، رغم التوتر
والعصبية التي عشتها داخل المؤسسة. بإمكاني القيام بعملين في نفس الوقت، أجيد أي
عمل يتطلب ذكاء وحسن استـخدام للعـقل، أعمل بجد واجتهاد لما أؤمن به في أن أصل إلى
الكمال وتحقيق ما أريد”.
وكأي طفل في
ذلك الوقت كان دائم التسكع مع أصدقائه المشاغبين بين دروب وأسواق مدينة فاس هاربا
من دروس الفقيه وعقابه داخل الكُتَّاب أو كما يسمونه في المغرب بـ”المسيد”. حتى
المدرسة نفر منها مقبلا على أسواق الصباغين والحدادين بالمدينة، ليعود إلى رشده
ويستأنف دروسه بالمستوى الرابع في عام 1962 بمدرسة جنجور، ثم باب ريافة ويتفوق في
آخر العام، حينها منعه والده من الذهاب في عطلة إلى جانب المتوفقين مجانا.
في دروب فاس
لم تكن تغريه مقاعد الدراسة كثيرا،
لكنه يقول “اشتغلت مع أبي كخراز، وطورت حرفتي، حيث أصبحت أصنع الأحذية، كنت شابا
حظه من العلم والمعرفة قليل ويمتهن حرفة أبيه، سيصبح في لحظة يشارك علية القوم
ممرات البرلمان، هؤلاء الذين كنت أراهم فقط في التلفزيون وأسماؤهم تدخل الرهبة إلى
القلب من وزراء وبرلمانيين”. كان توجسه من المكان والناس يعادل توقه إلى اكتشاف
المهنة الجديدة.
مهمته الصعبة
يعترف بنيس بأن ما سهلها منذ البداية كونه الموظف الأول الذي التحق بإدارة لم يكن
فيها أي موظف ولا رئيس مصلحة، أما التحصيل الدراسي فلم يحل بينه وبين طموحه إلى أن
يجعل مهمته ذات شأن، فالذكاء والإحساس بالمسؤولية جعلاه يتأقلم بسرعة مع أجواء
البرلمان وضغوطه اليومية، ويعرف ماذا يقول في العديد من القضايا ومتى يقوله، ويضيف
"أغلق فمي قبل أن يغلقوا آذانهم وأفتح أذني قبل أن يفتحوا أفواههم"
كان ينصت إلى
والده وأصدقائه عندما يبدأون بسرد حكايات النضال ضد الاحتلال الفرنسي، ما جعله
يطور حسه السياسي إلى جانب اهتمامه بالنشاط المسرحي في إطار الشبيبة المدرسية
الاستقلالية ومن خلالها يقول بنيس “صارت لي علاقة مع مسؤولي الحزب بمدينة فاس، حيث
مارست المسرح مع مجموعة ‘التوحيد الفني’، إلى جانب أخي كمال بنيس، والمسرحي
عبدالحق الزروالي، والصحافي محمد الأشهب والإذاعي عبداللطيف بوعياد”، وهي تجربة
أخرى تنضاف إلى سجله بعدما قدم عروضا في التلفزيون وشارك في مهرجان المسرح للهواة
بالجديدة.
وفي طريق
عودته إلى فاس عرج على مدينة الدار البيضاء فمكث بها قبل أن ينتقل إلى مدينة
الرباط في مايو 1975، ليحصل على 85 درهما من صديق له، جعله ذلك المبلع يبقى فيها،
لتبدأ حكايته مع البرلمان بعد ذلك التاريخ.
في أكتوبر من عام 1977 لم يساورالشك
بنيس في أنه سينجح في مهمته الجديدة، لكنه كان خائفا ومتوجسا من عالم مهيب لا يعرف
عنه شيئا، لحظة دخوله البرلمان كانت رهيبة، كانت للمكان هالة عظيمة في تلك الفترة
وكان اسمه يجلجل في الأسماع، يقول بنيس “بقيت مشدودا لعظمة البناية وأجنحتها
وقاعاتها وممراتها”. وكان أكثر ما يؤرقه هو كيف سيكون عند حسن الظن؟
عمل في مكتب
تابع لحزب الاستقلال داخل مجلس النواب، هكذا أخبره الذي انتدبه لهذه المهمة وهي
أنه سيكون “مأمورا” بإدارة الفريق الاستقلالي الذي يملك مكتبين و50 نائبا برلمانيا
آنذاك.
شغف لا حدود له
يعترف بنيس بأن الذي سهَّل مهمته منذ البداية كونه الموظف الأول الذي التحق بإدارة لم يكن فيها أي موظف ولا رئيس مصلحة، أما التحصيل الدراسي فلم يكن يحل بينه وبين طموحه إلى أن يجعل مهمته ذات شأن، فالذكاء والإحساس بالمسؤولية جعلاه يتأقلم بسرعة مع أجواء البرلمان وضغوطه اليومية، ويعرف ماذا يقول في العديد من القضايا ومتى يقوله، ويضيف “أغلق فمي قبل أن يغلقوا آذانهم وأفتح أذني قبل أن يفتحوا أفواههم”.
بنيس يرى نفسه ذلك الموظف البسيط الذي دخل البرلمان قديما دون أي شهادات مدرسية، وخرج منه بشهرة عالمية
اطلاعه على
الكثير من الوثائق ومناقشاته الكثيرة مع النواب والسياسيين أهلاه بشكل عملي لتقديم
بعض الحلول لنواب فريق حزب الاستقلال الذي يشتغل معه، وهو ما لم يكن محل ترحيب من
الجميع، ما جعله موضع تساؤل وحسد، وهنا يوضح بنيس بالقول “إن مهمتي كانت بسيطة
بهمها وبأجرها، وأيضا بتاريخها الوطني المليء بالمآسي والمفاجآت، ولكنها في
الحقيقة علمتني أن أكون كما أنا اليوم”.
فَهِمَ
بنيس طبيعة مهمته الصعبة التي يتعين عليه فيها استلام جميع الوثائق والرسائل
المضمونة أو الطرود البريدية قصد إبلاغها إلى أصحابها النواب، وحمل مداخلات السادة
النواب لمقر جريدة “العلم” التابعة للحزب قصد نشرها، وحمل أو جلب كل ما له علاقة
بالفريق من المركز العام لحزب الاستقلال، وضبط الواردات والصادرات في سجل الفريق،
وتقديم كافة الخدمات الخاصة بأعضاء الفريق داخل المجلس وخارجه، وإخبار المدعوين
إلى النشاطات البرلمانية عن طريق الهاتف أو الفاكس.
مختبر الإرادة
قضى في
البرلمان 35 عاما منها خمس عشرة سنة مع الفريق الاستقلالي والباقي بإدارة مجلس
النواب، سنوات كانت مختبرا لإرادته وقوة تحمله وتفانيه في عمله. لكن مهنته
كـ”خراز” في ورشة والده الذي كان يصنع أحذية الجلد بمدينة فاس كانت تلاحقه كشبح،
فالذين لا يعترفون بالعصامية في التكوين ومن يمتلكون نصيبا من الحسد والجشع هم من
كانوا ينغصون عليه عمله. يقول بنيس “خلال فترة
عملي بإدارة الفريق الاستقلالي، كان عدد من النواب يشجعونني ويساندونني ويقدمون لي
النصح، كما كان منهم من يعتبرني إنسانا لا قيمة له بحكم مهمتي البسيطة”.
وحول هذه
المرحلة يسترسل بنيس مفسرا وضعيته بأن الكثيرين نظروا إليه على أنه ذلك الرجل
البسيط الذي لا مكان له بين علية القوم، فبدأت معاول الهدم والدسائس تحاك من هنا
وهناك حوله.
الدسائس
واللامبالاة من بعض المنتسبين إلى المؤسسة التشريعية أمور صقلت شخصية بنيس، وجعلت
منه فعلا ذاكرة البرلمان، فهو يعترف بأن البطش الذي تعرض له من هؤلاء كان محفّزا
له على تكريس وقته وجهده لخدمة مشروعه حتى وصل اسمه وأعماله إلى أرقى الجامعات
كأوكسفورد بإنكلترا وهارفارد بأميركا ومكتبة الكونغرس الأميركي فرع القاهرة ومكتبة
الملك فهد الوطنية، كما يتم الاعتماد عليها في الجامعات المغربية، بينما الذين
أرادوا القضاء على حلمه لا أحد يتذكرهم.
بعدما أحيل
على التقاعد في نهاية سنة 2012 أصدر الكاتب العام لمجلس النواب في عام 2013 أمرا
بمنعه من دخول البرلمان الذي اشتغل فيه وخبر دهاليزه وأسراره، ليخلص بنيس إلى أنه
كون رزمة من الخصوم ومساحات كبيرة من المتعاطفين والمتحمسين للتعامل معه، والدرس
المستفاد هو أن “البطولة في هذا الزمان ليست أن يحمل الإنسان سيفا، ولكن البطولة
الحقيقية أن يحمل الإنسان ضميرا”.
موسوعة السياسة
يقول “مؤرخ
المؤسسة التشريعية” “لقد جمعت كل ما وقع في طريقي كما دفعوا هم عربات المتلاشيات
في شوارع مدننا كل مساء”، والحصيلة هي أكثر من مئة عمل توثيقي تتصل كلها بتلك
المؤسسة، كما أصدر سبعة عشر كتابا موجودا في المكتبات داخل المغرب وخارجه، وأخرى
تحت الطبع، وأخرى بين يديه، وحفظ ذاكرة البرلمان من خلال توثيق أهم أنشطته
بالتصوير الفوتوغرافي.
كان بنيس هو الذي اقترح على رئيس مجلس النواب السابق عبدالواحد الراضي أن يصدر المجلس كتبا، ويقدمها إلى الملك في افتتاح الدورة التشريعية، وقد أصدر المجلس 11 كتابا، منها كتابان دون الإشارة إلى اسمه، مذّاك بدأ يفكر في إصدار كتبه بنفسه؛ وعن ذلك يقول بنيس “بدأت أفكر في إصدار كتبي بنفسي، فأصدرت كتابي الأول سنة 2006 بعنوان ‘المرأة في الخطب الملكية والبرامج الحكومية وبرامج الأحزاب السياسية’، ثم ‘الموسوعة البرلمانية’ سنة 2007، ثم ‘البرلمان في اجتهاد المجلس الدستوري’ و’اليهود المغاربة في المنظومة القانونية 1913 - 2007’، وغيرها”.
اطلاعه على الكثير من الوثائق
ومناقشاته الكثيرة مع النواب والسياسيين يؤهلان بنيس لتقديم بعض الحلول لنواب
وسياسيين كثر، وهو ما لم يكن محل ترحيب من الجميع. مع العلم أنه هو من قدم لرئيس
البرلمان فكرة أن يصدر المجلس كتبا ويقدمها إلى الملك في افتتاح الدورة التشريعية
صدر لبنيس في
عام 2017 مؤلف بعنوان “موسوعة الحكومات المغربية 1955 - 2016”، مكون من أزيد من 600 صفحة، يتضمن العديد من
الوثائق والنصوص والمعطيات حول الوزراء الذين تعاقبوا على المغرب في تلك الفترة
والذين بلغ عددهم 375 وزيرا، ويرصد فيها العلاقات العائلية للوزراء منذ الاستقلال
إلى اليوم والعلاقات المتشعبة أيضاً، أصهارا، وأبناء عمومة، والوزراء الإخوة في
الحكومات المتعاقبة، ولائحة الوزراء الذين كانوا أساتذة للأمراء والأميرات أو
أصدقاء في الدراسة، والوزراء الذين تقلدوا منصب مدير للديوان الملكي، أو كلّفوا
بمهمة داخل المحيط الملكي.
يتمنى صاحب
“التحولات الإصلاحية بالمغرب في ظل الربيع العربي” و”نصف قرن من الحياة البرلمانية
1963 - 2013”، أن تقوم الدولة بتأسيس أكاديمية للبحوث البرلمانية تضم كبار
الشخصيات السياسية التي دخلت البرلمان، كمحمد بنسعيد آيت يدر وامحمد بوستة
وغيرهما، إضافة إلى كفاءات من قانونيين وباحثين وبرلمانيين شباب، تكون مهمة هذه الأكاديمية
حفظ ذاكرة البرلمان على الأقل.
وأخيراً، ومن خلال احتكاكه بالمؤسسة التشريعية خرج بنيس بخلاصة تقول إن الفترة البرلمانية الأولى لسنة 1963 كانت الأفضل والأغنى في تاريخ المؤسسة التشريعية المغربية، على الرغم من أن المعارضة كانت خلال تلك الفترة أقوى من الأغلبية، لكن مع تجربة 1998 -يقول بنيس- اختلت الموازين في البرلمان وتزايدت المصالح الشخصية، إذ تزامن ذلك مع تحول أحزاب المعارضة إلى تدبير الشأن العام، وما وقع هو أن المعارضة صارت ضعيفة، وفقدت جلسات مجلس النواب متعتها.
صحافي مغربي
