الكتاب العامون لمجلس النواب الذين عاشرتهم
عايشت خمسة كتاب عامين، وحسب ترتيبهم،
منهم من هو إنسان عملي لا يتدخل في ما لا يعنيه، يثق بالناس ويثق بنفسه ويتخذ
قراراته بسرعة، ومنهم من هو ولد الناس، نخوة، ذكى ومتحمس، ومنهم من هو إداري
بامتياز، "بو وذينة" متعالي، لم يتعرف على حقيقة من حاربهم حتى أحيل على
التقاعد، وما أريد أن أقول لهذا الشخص بالضبط هو: ليست البطولة في هذا الزمان أن
يحمل الإنسان سيفا، ولكن البطولة الحقيقة أن
يحمل الإنسان ضميرا، كما منهم من هو كثير الجدل ويتكلم من أجل الكلام فقط، لدرجة
أن الجميع كان يسميه "مسيلمة الكذاب"، ومنهم من لا يحب الظهور كثيرا،
يتفانى في العمل من أجل الوصول لما يخطط له، قليل الكلام، يستغل الآخرين لخدمة
مصالحه الخاصة ثم ينكر جهودهم وفضلهم عليه في النهاية، يخشى المواجهة التي قد
يتعرض فيها للنقد أو التوجيه أو المحاسبة، يفعل أي شيء ليعوق الآخرين عن التقدم.
وسؤالي هو: ماذا أضاف كل هؤلاء الكتاب
العامين للمؤسسة التشريعية، فمنهم من تقاضى كأجرة وتعويضات خلال ثلاث سنوات ونصف،
أكثر مما تقاضيت من أجرة وتعويضات خلال خمسة وثلاثين سنة التي قضيتها في وظيفتي بالبرلمان؟
ولكل المسؤولين الذين مروا وسيمرون في
المؤسسة التشريعية أقول ما قاله ابن خلدون بتصرف: حينما تنعمون بالمسؤولية ويصبح
في يدكم القرار، تستقطب إليكم ثلة من المرتزقين والوصوليين الذين
يحجبونكم عن الموظفين، ويحجبون الموظفين عنكم، فيصلون لكم من الأخبار أكذبها، ويصدون
عنكم الأخبار الصادقة التي يعاني منها الموظفون،
وأضيف ما قاله شكسبير: إن أي مركز مرموق ليس إثماً بحد ذاته، إنما يغدو إثماً حين يقوم الشخص الذي يناط به ويحتله بسوء استعمال
السلطة من غير مبالاة بحقوق وشعور الآخرين.
فالكاتب العام لمجلس النواب أو
المستشارين يجب أن يكون محايدا، وغير تابع أو متعاطف مع أي حزب سياسي.
كما يجب أن يكون مجسدا لاستمرارية
الإدارة، على خلاف دواوين الرؤساء المتعاقدين، حيث تنتهي مهامهم بمجرد انتهاء مهام
الرئيس. وفي هذا الصدد فإن الملفات الإدارية، والملفات المتعلقة بالبناية والأرشيف
وغيرها هي من اختصاص الكاتب العام.
يجب أن يكون الكاتب العام من ذوي
التكوين القانوني، وخاصة في القانون الدستوري، ومتمكنا من اللغات، وملما بالقواعد
القانونية المتعلقة بالعمل البرلماني من جهة، وأن يشكل قوة اقتراحيه في هذا المجال
من جهة أخرى، باعتباره مسؤولا عن وحدات إدارية، موكول إليها ليس فقط التدبير
الإداري الضيق، ولكن كذلك المساهمة في تطوير العمل البرلماني.
يجب أن يكون الكاتب العام ذا خلق حسن،
ونهج سيرة جيد في البحث والدراسة والتسيير الإداري، وأن يكون مخاطبا ومخاطبا جيدا:
مخاطبا لأنه يعايش فئة سياسية وإدارية ذات خصوصية، ولأنه كذلك يمثل الجهاز الإداري
المغربي في الداخل والخارج. ومخاطبا لأن قواعد العمل الإداري الحديث تتطلب الإنصات
والاستماع والانفتاح على الإداريين، أما الأسلوب القديم في التدبير فقد ولى.
يجب على الكاتب العام أن يتعامل مع
الموظفين كمساعدين لا كخدم، وأن يتعامل كذلك بناء على الكفاءة والإنتاج والمردودية
في إسناد المهام والمسؤوليات وكذلك المنح والمكافآت.
يجب أن يكون الكاتب العام الحامي الأول
للموظفين ضد ما يمكن أن يصدر عن السياسيين من تسلط أو ظلم أو تعسف.
وفي الأخير، يجب على الكاتب العام أن
يحقق إدارة فاعلة، وأن يشجع الكفاءات الموجودة بالمؤسسة، وأن يحقق حلم جلالة
المغفور له الحسن الثاني بجعل البرلمان مرآة الأمة، وأن ينشئ خزانة تضرب إليها
أكباد الإبل.