أصناف الموظفين الذين اشتغلت معهم بمجلس النواب
تتكون إدارة البرلمان من ثلاثة أنواع
من الموظفين، وهذه الأنواع الثلاثة يتواجد من بينها من هو نزيه في عمله يؤديه على
الوجه المطلوب له كفاءة عالية وقدرة على معالجة الأمور بحكمة، وحنكة، ومداومة
على الحضور وعدم التأخر في الوقت، والبحث عن وسائل النجاح والرقي بالإدارة، وله اعتزاز
بمهنته وانتمائه للمؤسسة، هذه الفئة تسمى "مزعجة" تحارب باستمرار وتبقى
منبوذة داخل الإدارة من قبل اللوبي الإداري المتمكن الذي يتقوى من ولاية تشريعية
إلى أخرى، وهذه الفئة ينطبق عليها المثل الشعبي الذي يقول: "إلى كان القاضي
من خصومك، غير هز رسومك".
والفئة الثانية منهم من عنده الإجازة
والماستر، وهو عمرو ما كتب حتى سطر، تتميز هذه
الفئة بالارتكان للكسل والاجتهاد في حل الكلمات المتقاطعة والنميمة ومحاربة كل
مجتهد، وينطبق علي هذه الفئة المقولة الشعبية: "سير يا النهار وأجي يا العشية
والأجرة فالدولة محشية".
والفئة الثالثة منها من هو شيطان في
صورة إنسان أي أنك تجده عدواً لإبليس في العلانية، وصديقاً له في السر، ومنها من
هو تجسيد حي لكل القيم والمعاني الهابطة والسيئة، ومنها من هو راعى للظلم وحامى
الرذيلة ومهندس الخيانة، وقد يكون سمح الوجه وجميل الهيئة لكنه لا قلب له ولا
مشاعر ولا عواطف، لا تهمه مصلحة العامة بل مصلحته الشخصية ولو على حساب الآخرين، يتلذذ
بإيذاء الموظفين الشرفاء والتشاجر معهم، هذه الفئة ينطبق عليها مقولة ابن القيم
رحمه الله الذي قال: "سبحان الله، في النفس كبر إبليس، وحسد قابيل، وعتو عاد،
وطغيان ثمود، وجرأة نمرود، واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان".
منذ ولوجي إدارة مجلس النواب إلى أن
أحلت على التقاعد، اشتغلت وعاشرت جميع هذه الأصناف من الموظفين، فمنهم من هو
"راجل ونص" ومنهم من هو "راجل" ومنهم من هو "راجل إلا
ربع" ومنهم من "عمره ما كان راجل"، وما يقال عن الذكور، ينطبق على
الإناث، لأن البشر حجر وطوب، ومن أكثر الناس أذى لي هم الأشخاص
الذين أعطيتهم كل ثقتي، وبمعرفتهم أسراري أصبحوا يستخدمونها ضدي يوم اختلفت معهم. فكل ما أريد قوله حولهم هو: اشحال من
الناس هما هما، وشحال منهم بحال العسل فالكرجومة، وشحال منهم الموت ولا هما.
ومنهم فئة الوصوليين الذين يبيحون
لأنفسهم استخدام جميع الوسائل للوصول لأعلى المراكز وإن كان على حساب الآخرين، يتزلفون
ويتملقون ويتقربون بحجة أنهم الأفضل، لهم أسلوبهم في استمالة " أي مسؤول"،
لا يذخّرون جهدا لإثبات تفوقهم وإن داسوا على زملائهم في العمل، كما يوظفون
الجوانب السيئة من كفاءتهم وحنكتهم لخدمة الأشخاص والمسؤولين داخل المؤسسة وخارجها
كالشعوذة وتهيئ الليالي الحمراء لبعض ضعفاء النفس والشهوة من البرلمانيين، وهذه
الفئة هي المستفيدة الأولى والأخيرة في كل شيء حيث تنموا بكثرة.
كما أن هناك فئة الانتهازيين الذين
ينتظرون الفرص لكي يستغلوها لصالحهم ويعيشون بطرق غير مشروعة تقوم حياتهم على
اقتناص الفرص، فهمهم الوحيد هو أن يلتصقوا بالجهة المسؤولة وينسجو معها علاقات
ودية بشتى الوسائل الأمر الذي يجعلهم يدخلون الحياة السياسية لحماية مصالحهم
الخاصة، ويسعون من وراء ذلك إلى الاستفادة من تحمل المسؤوليات والترقيات والتعويضات
واستفادة أسرهم بدون موجب حق، ويعود السبب في ظهور هذا المرض إلى الضعف الأخلاقي الذي
تتصف به، وإلى عدم تلقي التربية الصحيحة بشكل صحيح. وهذه الفئة ينطبق عليها مقولة سيدي
عبد الرحمن المجدوب الذي قال: "تخلطات ولا بغات تصفى، ولعب خزها فوق ماها،
رياس على غير مرتبة، هما أسباب خلاها".
وهناك أيضا الموظفون الأشباح، والذي
ساهم في وجودهم وإلى حد بعيد بعض المحسوبين على الأحزاب السياسية، حيث يتوصل هذا
النوع من الموظفين براتبه الشهري وتعويضات الدورات التي كانت مرتين في السنة،
وأصبحت الآن أربع مرات، دون تقديم أي خدمة للمؤسسة التشريعية، المهم هو المنصب
المالي وليس الوظيفي، ولا مجال للمحاسبة أو المراقبة، إذ هناك من هو رئيس مصلحة أو
رئيس قسم، كما أن هناك موظفين عموميين تمت استعاراتهم من إدارتهم الأصلية، وتم
تعيينهم كخبراء ومستشارين بالبرلمان، يتقاضون رواتبهم الشهرية بدون أن يقدموا أي
خدمة مقابل ذلك، وهذه الفئة ينطبق عليها المقولة الشعبية التي تقول: "اللي
أمه في الفرح، كياكل اللحمة المخيرة".
مثل هؤلاء المحظوظين المستفيدين دائما
بخدمتهم الأشخاص داخل المؤسسة التشريعية وخارجها؟ ينطبق عليهم ما عرفناه في صغرنا
ب"قرعة الأنبياء"، وهو منشور صغير يدخل في كتب حكايات الدهق الأسود
وعاقصة أخت الملك سيف بن يزن، بيد أنه منشور لا يخلو من مغزى. وقرعة الأنبياء
عبارة عن جدول يتضمن أسماء بعض الأنبياء. وفي هذا الجدول "أسهام" كل سهم
يرمي إلى نبي. أما طريقة استخدام "قرعة الأنبياء" فهي في غاية البساطة
حيث يضع صاحب السعد أو النحس الذي يريد أن يطلع على فأله، وأصبعه على اسم من أسماء
الأنبياء المسجلين وهو مغمض العينين فيكون مستقبله في الحياة كمستقبل ذلك النبي
الذي وضع الأصبع عليه. تغمض هذه الفئة أعينها على قرعة الأنبياء وتضع أصبعها
المحظوظ فيقع على سهم نبي الله قارون – الذي أتاه الله من الكنوز ما لم يأته أحدا
من العالمين، أما عبد ربه وأمثالي غير المحظوظين، نضع أصبعنا فيقع على سهم نبي
الله أيوب الذي ابتلاه الله بما لم يبل به نبي قبله فأمره الله بالصبر فصبر فكشف
سبحانه ما به من ضر.
أما كفاءات الموظفين فتنقسم إلى عدة
أنواع، فمنهم من يتوفر على كفاءة عالية، أطر بها الموظفين الجدد وزودهم بخبرته،
وهذه الفئة تطبق فكرة لفيثاغورث الذي يقول: الذي يسلم من معاداة الناس هو من لم
يظهر خيرا ولا شرا، لأنه إن ظهر منه
خير عاداه الأشرار، وان ظهر منه شر عاداه
الأخيار. ومنهم من لا يتوفر على كفاءة لكن بالإصرار والممارسة اكتسبها حتى أصبح
مرجعا في تخصصه داخل المؤسسة، وهذه الفئة يبحث لها على أي خطأ ليشهروا به، حيث
ينطبق عليها مقولة ويليام شكسبير الذي قال: "إن الآثام التي يأتي بها الإنسان
في حياته، غالباً ما تذكر بعد وفاته، ولكن أعماله
الحميدة تدفن كما يدفن جسده وتنسى". وهناك فئة قليلة تعمل في صمت وعليها يقع
ثقل المسؤولية لأنها تحب ما تعمل، وهذه الفئة يطبق عليها مقولة فولتير: "ليس
سر الحياة أن تعمل ما تحب بل أن تحب ما تعمل".