كلفة
برلمان قبل وبعد دستور 2011
لقد عرف المغرب منذ صدور أول دستور سنة 1962، عشر ولايات تشريعية مرورا
بالمجلس الوطني الاستشاري 57/59 برئاسة المهدي بنبركة.
لقد تقلد مهام النيابة عن الأمة شخصيات مغربية شهد لها التاريخ
بالوطنية الخالصة والدفاع المستميت عن قضايا المواطنين والزهد عن طلب الدنيا
والرغبة في متاعها وملذاتها.
وكانت من مواصفاتهم القوة بالجهر في قول الحقيقة ومعرفة تامة بحقيقة بلدهم
ودائرتهم الانتخابية، أقوياء في الدفاع عنها لا يتركونها لعصابات الفساد، فكان لا
يتقدم للنيابة عن الأمة والتكلم باسمها والحديث عن آمالها وآلامها إلا من وثق في
قوته، وأنه لن يخسرها بالوهن أمام عاديات الأيام.
والقوة هنا، هي القوة في العلم، والقوة في الحجة والبرهان، والقوة في
محاربة الفساد، والقوة في عدم التهيب أمام الاستبداد، والقوة في التعبير عن
منتظرات الشعب.
كانت تتراقص أمامهم فرص الوجاهة والثروة، وتتزين فاتنة الدنيا مقبلة
عليهم عارضة نفسها، فيتذكرون العهود والمواثيق، ويستحضرون الأقوال والشعارات، وأنهم
مسئولين أمام الله عما دونوه في ورقات الترشيح مزينيها بصورهم ونبذة عن سيرتهم.
فكانوا يؤمنون بأن النيابة عن الأمة ليست فرصة للغنى والثراء الفاحش،
ووسيلة للارتقاء الاجتماعي، لأن الأصل في البرلماني أن يبدع الأساليب ويتفنن في
الوسائل التي يدفع فيها فقر الفقراء، ومسكنة المساكين.
وقد عرف الزمن البرلماني المغربي العديد من هذه النماذج، ويطول التطرق
لهم بتفصيل، ومن جملتهم:
نموذجا استقالة النائب السيد أحمد بن دحمان غاندي نائب دائرة سبت
جزولة في الولاية التشريعية الأولى للبرلمان سنة 1963 التي قدمها بتاريخ 17 ماي
1965، وعنون رسالة استقالته بعنوان: "من وحي الذكرى"، ويعني بها 17 ماي
1963 تاريخ يوم الاقتراع، وجاءت هذه الاستقالة معللة، حيث قال ما يلي:
أتقدم باستقالتي وانسحابي من فريق الجبهة وذلك لسبب واضح، وهو مساندة
الفريق لحكومة لا تؤمن بحق الشعب ولا تحترم كرامة المواطنين "فريق جبهة
الدفاع عن المؤسسات كان آنذاك ضمن الأغلبية الحكومية".
نموذج الحاج محمد بنشقرون الذي رفض الترشح
لمجلس النواب سنة 1970 الذي قاطعته الكتلة الوطنية الممثلة في حزب الاستقلال
والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وحين رفض الترشح، جاءه ليلا لمنزله بدرب الشيخ
الفوقي بمدينة فاس أعيان المدينة مصحوبين بشرفاء مولاي إدريس، وبعد طرق الباب،
ذبحوا خروفا على باب بيته يرمون عليه العار كي يقبل الترشح وذلك ما كان.
نموذج المرحوم العلمي التازي الذي منذ أن
أصبح عضوا في مجلس النواب، التزم بتحويل تعويضه البرلماني إلى الخيرية بمدينة
مكناس.
فبما أن البرلمان هو الذي يحدد الإطار الشرعي
ويلعب دورا أساسياً في منع الفساد العام، من خلال أعضاؤه الذين يستمدون نيابتهم من
الأمة، بتمثيل مواطنيهم تمثيلاً فعالاً عن طريق تنفيذ الأدوار التشريعية والرقابية
التي تكون في المصلحة العامة، والقيام بأدوارهم الثلاث الديمقراطية وهي: "تمثيل
الشعب أمام الحكومة، والتشريع، والرقابة على أعمال الحكومة".
فيجب على البرلمانيين أن يكونوا هم خير من يفهم السياق السياسي والاجتماعي الذي يعملون في ظلّه، وأفضل من يقدر على تحديد ما يمكن القيام به لتمكينهم من لعب دور فعّال وحاسم في تحقيق الأهداف التي هم منتخبون من أجلها، باعتبارهم منتخبين من طرف الشعب.
كما يتوجب عليهم من خلال صلاحياتهم الدستورية، القيام بسنّ القوانين والرقابة على سياسات الحكومة وبرامجها، وتمثيل وجهات نظر ناخبيهم، وذلك بسنّ التشريعات لوضع إطار قانوني قوى لمكافحة الفساد، والقدرة على الشروع في التحقيق في أي مسألة تتعلق بالصالح العام، والقضاء على الفقر بجميع أشكاله، وضمان تمتّع الجميع بأنماط العيش الرغيد وبالرفاهية لجميع الأعمار، وضمان التعليم الجيد المُنصف والشامل وتعزيز فُرص التعلّم مدى الحياة للجميع، وتحقيق المساواة بين الجنسين، والحد من انعدام المساواة في الاستفادة من خيرات البلاد،
وإقامة مجتمعات مسالمة لا يُهمّش فيها أحد، وإتاحة إمكانية وصول الجميع إلى العدالة، وبناء مؤسسات فعّالة وخاضعة للمساءلة وشاملة على جميع المستويات.
مقابل ذلك، أصبح برلمانيين هذا الزمن، لا هم
لهم، إلا النضال من أجل رفع رواتبهم ونجحوا في ذلك، وكافحوا من أجل تقاعدهم ونجحوا
في ذلك، ثم كافحوا من أجل تأمينهم رفقة أزواجهم وأولادهم من المرض ونجحوا في ذلك
أيضا، وحققوا بذلك لأنفسهم ولدويهم الراحة والعيش الرغيد، ولا زالوا يطالبون
بتمكينهم من جوازات السفر الدبلوماسي حتى يتم إعفائهم من الفيزا. لكن السؤال هو هل
حققوا ما واعدوا به وانتخبوا من أجله؟ وحتى يتم الجواب عن هذا السؤال، يبقى الشعب
يؤدي أجورهم وامتيازاتهم المختلفة وتقاعدهم وتأمينهم.
وبإطلالة سريعة على الميزانيات المرصدة
للمؤسسة التشريعية، يتضح بجلاء الكلفة الديمقراطية التي تؤدى من الخزينة العامة
للدولة.
إذا قمنا بجمع ميزانية مجلس النواب لسنة 2020 فقط والتي بلغت: 461.600.000
درهم، ومجلس المستشارين لنفس السنة: 294.040.000 درهم. يصير المجموع هو: 755.640.000
درهم. وهذا المبلغ أكثر من ثلاث مرات من الميزانية التي خصصت للولاية التشريعية
الثالثة 1977/1983 لمدة ست سنوات والتي بلغت: 244.133.998 درهم. كما أن هذه المبلغ
المخصص لميزانية مجلسي البرلمان لسنة 2020 وحدها، يوازي ما خصص للولاية التشريعية
الرابعة 1984/1992 بكاملها، والتي بلغت: 899.151.395 درهم.
أما إذا جمعنا المبالغ التي خصصت لمجلسي النواب والمستشارين لسنتين
فقط 2019 و2020 نجدها تصل إلى 1.477.236.000 درهم.
هذا المبلغ يوازي الميزانية التي خصصت لمجموع الولايات التشريعية من
الأولى 63/65 إلى نهاية الولاية التشريعية الخامسة 84/87 والذي يصل إلى: 1.485.234.306
درهم.
فمنذ الولاية التشريعية
الأولى 1963 وإلى غاية ميزانية سنة 2020 من الولاية التشريعية العاشرة، خصص للبرلمان
ما مجموعه 15.564.717.330 درهم بما فيها ميزانيات الاستثمار، وهذا المبلغ المالي
الضخم لا يتضمن "المبالغ المالية التي خصصت للعمليات الانتخابية التشريعية
برمتها". ولا يتضمن كذلك "مساهمة الدولة في تمويل الحملات الانتخابية
التي تقوم بها الأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات العامة، والذي وصل فقط حسب
مرسوم رقم 2.16.666 الصادر بتاريخ 10 غشت 2016 إلى: 750.000 درهم لكل حزب سياسي".
وهذا جرد لما أنفق على البرلمان منذ 1963 إلى الآن كالآتي:
1)
الولاية التشريعية الأولى 1963/1965، رصد مبلغ 35.723.186 د
لغرفتي البرلمان (264 عضوا: مجلس النواب 144 عضوا والمستشارين 120 عضوا) إذا ما
قسمنا المبلغ المرصود لهذه الولاية، نجد أن كل برلماني كلف "135.315 د خلال
مدة انتدابه"، أي "67.657 د في السنة" أي "5.638 درهم"
شهريا.
2)
رصدت لمجلس النواب خلال الولاية التشريعية الثانية 1970/1972،
الذي كان يتكون من 240 نائب، مبلغ: 31.733.380 درهم. كل نائب كلف الخزينة
"132.222 درهم" أي "66.111 د" في السنة، أي "5.509
د" شهريا.
3)
كما رصدت لمجلس النواب في ست سنوات خلال الولاية التشريعية
الثالثة 1977/1983، والذي كان يتكون من 264 نائب مبلغ: 246.320.498 درهم. فكل نائب
كلف "933.032 د" خلال مدة انتدابه، أي "155.505 د" في السنة،
أي "12.958 د" في الشهر.
4)
ورصدت لمجلس النواب في ثمان سنوات خلال الولاية التشريعية
الرابعة 1984/1992، والذي كان يتكون من 306 نائب، مبلغ: 947.453.395 د. إذا قسمنا هذا المبلغ على 306 نائب، نجد أن كل
نائب كلف الخزينة العامة "3.096.252 د" خلال مدة انتدابه، أي
"387.031 د" في السنة، أي "32.252 د" في الشهر.
5)
936.334.000 د هو المبلغ الذي رصد لمجلس النواب في أربع سنوات
مدة الولاية التشريعية الخامسة 1993/1997، والذي كان يتكون من 333 نائب. فكل نائب
كلف خزينة الدولة "2.811.813 د" خلال مدة انتدابه، أي "702.953
د" في السنة، أي "58.579 د" في الشهر.
6)
رصدت للبرلمان بغرفتيه في خمس سنوات خلال الولاية التشريعية
السادسة 1997/2002، والذي كان يتكون مجلس النواب من 325 عضوا، و270 يمثلون مجلس
المستشارين، مبلغ: 2.134.244.000 د. وهكذا كلف البرلمان الدولة "3.586.964
د" خلال مدة انتدابه، أي "717.392 د" في السنة، أي " 59.782" د في
الشهر.
7)
كما رصدت للبرلمان بغرفتيه في خمس سنوات للبرلمان بغرفتيه
خلال الولاية التشريعية السابعة 2002/2007، والذي كان يتكون فيه مجلس النواب من
325، و270 عضوا بمجلس المستشارين، مبلغ: 2.242.208.000 د. فكل برلماني كلف الدولة
"3.768.416 درهم" خلال مدة انتدابه، أي "753.683 د" في السنة،
أي "62.806 د" في الشهر.
8)
ورصدت للبرلمان بغرفتيه في أربع سنوات للبرلمان بغرفتيه خلال
الولاية التشريعية الثامنة 2007/2011، والذي كان يتكون فيه مجلس النواب من 325،
و270 عضوا بمجلس المستشارين، مبلغ: 2.019.114.000 د. وهكذا نجد أن كل برلماني كلف
الدولة "3.393.468 د" خلال مدة انتدابه، أي "848.367 د" في
السنة، أي "70.697 د" في الشهر.
9)
رصدت للبرلمان بغرفتيه في خمس سنوات للبرلمان بغرفتيه خلال
الولاية التشريعية التاسعة 2011/2016، والذي جاء بعد دستور 2011، تكون مجلس النواب
من 395 مقعدا، إضافة إلى 120 عضوا بمجلس المستشارين، المجموع: 515 برلماني، رصد
لهذه الولاية مبلغ: 3.431.068.000 د. فكل برلماني كلف الدولة "6.662.267
د" خلال مدة انتدابه، أي "1.332.453 د" في السنة، أي "111.037
د" في الشهر.
10)
رصدت للبرلمان بغرفتيه في أربع سنوات للبرلمان بغرفتيه خلال
الولاية التشريعية العاشرة 2017/2020، وهذه الولاية يتكون فيها مجلس النواب من 395
مقعدا، إضافة إلى 120 عضوا بمجلس المستشارين، ورصد لهذه الأربع سنوات مبلغ: 3.363.376.000
د. إذا قسمنا هذا المبلغ على 515 برلماني، نجد أن كل برلماني كلف الدولة "6.530.827 د" خلال مدة انتدابه،
أي "1.623.706 د" في السنة، أي "136.058 د" في الشهر.
ويلاحظ أن هذه الميزانيات تتميز
بالخصوص بعدم الاستقرار والارتفاع بمتواليات هندسية على مر الولايات التشريعية
العشر، وهو ما جعل كلفة البرلماني الواحد ارتفعت من 5.638 درهم في الشهر بالنسبة
للولاية التشريعية الأولى، إلى 136.058 درهم خلال الولاية التشريعية الحالية التي
تتوزع الميزانية المرصودة لها على عدة أبواب.
ويكفي أن نوضح شيئا آخر، وهو
أن الميزانية التي رصدت للبرلمان منذ سنة 1963 إلى سنة 2011 والتي جرت فيها
احتجاجات 20 فبراير والتي جاء على إثرها دستور 2011، أي ميزانية 36 سنة بلغت: 8.770.273.330 درهم.
بينما الميزانية التي خصصت
لما بعد سنة 2011 إلى سنة 2021 بلغت ما مجموعه: 7.602.568.000 درهم.
لذا يكون من حق الرأي
العام الوطني، في ظل دستور 2011، وبعد احتجاجات 20 فبراير، أن يتساءل عن مدى
ملائمة هذه المبالغ المرصودة الى البرلمان، مع الأدوار التي قام بها وتقوم بها
ساكنة المؤسسة التشريعية منذ أول تجربة له إلى الآن؟ أم لازال بنفس نظرة المغفور
له الحسن الثاني الذي كان قد خاطب البرلمانيين في 29 مارس 1965عقب الأحداث الدامية
التي عرفتها الدار البيضاء: "أقول لكم أيها النواب، وأقول لكم أيها
المنتخبون، إنكم متشبثون بالحصانة فقط، ومتشبثون بما تتقاضونه كل شهر من الدولة،
أطلب منكم أن يكون لكم ضمير مهني كاف لكي تعطوا لتلك الدولة، وذلك الشعب المقابل
للشيء الذي تتقاضونه".