رغم أني لم أتمم دراستي، ولم أتحصل حتى على
الشهادة الابتدائية، قبل اشتغالي مع أبي في حرفة الخرازة بمدينة فاس، شاءت الأقدار
أن أعمل كعون خدمة بإدارة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، حيث كان
عملي في البداية، هو استلام جميع الوثائق والرسائل المضمونة أو الطرود البريدية
قصد إبلاغها إلى أصحابها النواب، ووضع مداخلاتهم بمقر جريدة العلم قصد نشرها، مع
نقل كل ما له علاقة بالفريق من المركز العام للحزب، وضبط الواردات والصادرات في
سجل الفريق، مع تقديم كافة الخدمات الخاصة بأعضاء الفريق داخل المجلس وخارجه، وإخبارهم
باستعجال بالنشاطات البرلمانية المدعوين لها عن طريق الهاتف أو البرق، وكنت أنسخ
القوانين التي لاحظت مع مرور الزمن أنها لن تطبق أبدا وتظل حبرا على ورق، وحمل
التقارير والجرائد غير المقروءة من مكان إلى آخر.
لم تكن وقتها السماء لتسع فرحتي وأنا في عمر
الزهور، وأنا أشتغل مع "الناس الكبار".
لقد عايشت ساسة كبار وبرلمانيين أفذاذ استطعت
بذكائي الفطري أن أنهل منهم وأحفظ عنهم مقالب السياسة ومنعرجاتها فكما يتحدى
الضرير عاهته، تحديت أميتي.
كنت أسترق النظر إلى كل ما حملته من أوراق
طيلة خمسة وثلاثين سنة، وكانت جنون روحي المبدعة تتلقف كل ما يدور حولها من مشاهد
وصور، منتقدة مرة، ومشمئزة مرات عديدة...
كنت عاشقا للمعلومة مستقصيا جزئياتها أتعقبها
وأترصدها وأبحث عنها بدون ملل أو كلل، كان إصراري عنيد على مواصلة الدرب الذي
خططته لنفسي، تؤلمني بعض الحالات والحوارات والمواقف، ولكنها لا تثنيني على المضي
فيما أنا فيه. أتذكر وتتكرر لدي المشاهد التي اعتدت مصادفتها وتتوالى المسيرة على
النحو الذي أريد. خصصت جزءا كبيرا من عطائي انصب على جمع وتنظيم ذاكرة المؤسسة
التشريعية بالنسبة للتاريخ وبالنسبة للمغاربة.
كنت طموحا، ذلك الطموح الجدي والمسؤول. ومن
أجل تحقيق أمال طموحي كان ينبغي علي أن أسهر الليالي لأكون في مستوى تطلعاتي.
وطموحي كان في مستوى الفكرة التي آمنت بها. لأنني صادق في طموحي. كنت متعدد
المواهب وهذه المواهب الفطرية فيها جوانب ربانية كثيرة. حيث صقلها الزمان وصقلها
ذلك الطموح الذي لا حد له.
إنني إنسان معاند، لكن بمفهومه الإيجابي
ومفهومه الإنساني والبشري، وأقصد أكثر أنني كانت لي ثقة بالنفس، وكنت أعاند واقعي
من أجل أن أحقق أعمالي وأن أجد طريقا للبحث والاقتراح، أعاند نفسي قبل كل شيء فأنا
لا أريح نفسي أبدا.
لذتي كانت هي أن أحل كل عويصة، وأن أجد طريقا
للبحث وتحصيل العلوم، وأن أقدم اقتراحا حتى لو كان هذا الاقتراح يظهر أكبر مني
بكثير.
كنت نموذج للموظف المعتمد على النفس والذي
يشتغل في صمت وفي الظل ولا يبحث عن الأضواء، لأن لي انشغالات مهمة وأمور جدية، لم
أكن من النوع الذي يشتغل بالناس وبتفاهات الأمور.
لقد منحني الله سبحانه وتعالى موهبة التوثيق،
التي صارت تجري في عروقي، فتراني دائما خفيف الحركة، أحمل آلة التصوير على كتفي، وأهرول
يمينا ويسارا، بحثا عن لقطة، أو مشهد يستحق التصوير، أهتم بكل صغيرة وكبيرة، وفي
غضون ذلك أسترق السمع، وأبحث عن الوثائق التي تعنيني في التوثيق لشيء ما، فلم يكن
هدفي يروم أي مكسب مادي من وراء ذلك، بقدر ما يتجه إلى إشاعة الفكر الديمقراطي،
رغم أنني لست برجل سياسة، وليس باحثا جامعيا أو أكاديميا، وليس بمؤرخ ولا كاتبا
ممارسا للكتابة. إنما رجل عصامي في تكويني، فكنت من الأوائل الذين تعلموا
الإعلاميات بمجلس النواب، وأكدت فعاليتي في المجال التوثيقي يوم كانت المؤسسة
البرلمانية تتلمس الطريق لصون ذاكرتها.
لا أنكر بأنني كنت دائما متربصا ويقظا
ومترصدا لكل الاختلالات والتصرفات المخالفة للقانون – ألتقطها وأسجلها وقد أجهر
بها حينما يتطلب الأمر ذلك. أنا لا أنكر كذلك بأنني لم أكن طيع المراس، خنوعا إلى
درجة الاستسلام، متوسلا مستعطفا إلى درجة الإذلال وتمريغ أنفتي في التراب، فقد
اخترت أن أكون وطنيا حتى النخاع – إذا كسبت درهما واحدا فعلي أن أؤدي ضعف مقابله.
لم يكن همي هو الاصطفاف في صف الانتهازيين
والوصوليين والانتفاعيين والأنانيين والذين بما لديهم فرحون، قمت بما يمليه علي
ضميري وفق ما رباني عليه والداي رحمهما الله، وثلة من مخلصي هذا البلد، ولم أكن من
طالبي الامتيازات والترقيات أو توظيف أبنائي المعطلين، لم أتحجج بالشواهد الطبية
للتغيب ولو ليوم واحد عن العمل، وكثيرا من آثرت التضحية بعطلتي السنوية لتحليل
طعامي على أن أدخل به حراما على أبنائي.
لقد قضيت في البرلمان أكثر من خمسة وثلاثون
سنة منذ 14 أكتوبر 1977 إلى 31 ديسمبر 2012، اجتهدت خلال هذه المدة في عملي لأتمم
ما تعلمته في الحياة، كانت مهمتي بسيطة بهمها، بأجرها، وأيضا بتاريخها الوطني
المليء بالمآسي والمفاجئات، ولكنها في الحقيقة، علمتني أن أكون كما أنا اليوم، ألا
أقف مكتوف اليد، منقطع النفس والروح، وأن أسعى إلى تحقيق ذاتي وطموحاتي، فكنت أعمل
بجد وحماس منقطع، أتحرك كفراشة تطير من هنا إلى هناك لأرتشف رحيق كل المحيط الذي
أنا موجود بداخله.
فرغم أني كنت مجرد عون خدمة، وأول راتب تقاضيته
وقتها هو 670 درهم، ومكاني لم يكن إلا في مؤخرة الاجتماعات واللقاءات، ورغم
النظرات القاسية التي كانت تعتبرني مجرد "شاوش" وخراز سابق، إلا أنني لم
أستسلم، واصلت الليل بالنهار حتى أصبح كلامي مسموعا لدى رؤسائي، وأحظى بالاحترام
والتقدير والتكريم لأنني استطعت بكل فخر أن أنجز ما لم تستطيع إدارة البرلمان إنجازه
في مجال التوثيق.
حتى صارت لي عدة ألقاب، فمنهم من شبهني بأبي
حيان التوحيدي لأنه تعلم القراءة والكتابة من خلال استنساخ الكتب، وكان يحلوا
للبعض أن يناديني بمؤرخ البرلمان لأنني وثقت كل ما له علاقة بالمؤسسة التشريعية،
ولقبتني الصحافة بذاكرة البرلمان لأنها وجدت فيما أزودها به، مادة دسمة تستحق
النشر بصفحاتها الأولى، وقارنني آخر بعباس محمود العقاد الذي لم يتعد مستواه
الدراسي قسم الشهادة الابتدائية، الذي حافز التحدي جعل اسمه مخلدا ضمن قائمة
الأدباء والمثقفين، وشبهني آخر بالزمخشري الذي قال:
سهري لتحصيل
العلوم ألد لي من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربا
لحل عويصـــة أشهى وأحلى من مدامة
ساقي
والـــد من
نقــر الفتـــاة لدفهــا نقري لألقي
الرمل عن أوراقي
كنت أرى في نفسي ذلك الخراز،
و"الخراز" هو حرفي، مبدع، فنان. الذي يتجاوز حدود العلم، فمن عالم
الخرازة التي تعلمت فنونها، وإبداعها في عنفوان شبابي انتقلت إلى مناخ آخر لا يخلو
بدوره من إبداع وصنعة وحبكة ألا وهو عالم الأرشيف والتوثيق، فاستطعت أن أقوم بعمل
غني لمؤسسة البرلمان ولأشياء أخرى متعددة في بلادنا. وأصبح الخراز بشهادة الجميع
مرجعا لكل شخص مهتم بالشأن البرلماني، وقمت بما كان أن تقوم به المؤسسة التشريعية
نفسها، وذلك من خلال العناية بالوثائق المهملة، حتى لا تضيع أجزاء مهمة من الذاكرة
البرلمانية.
فمسألة التوثيق التي توليتها عن حب وعن
طواعية تعتبر من أوجه القصور البين بإدارة البرلمان، حيث يصعب عن أي باحث أن يعثر
على وثائق لا يتعدى عمرها عشر سنوات فقط، فما بالك بفترة زمنية أطول.
واكتسبت كباحث فطري في البرلمان وأرشيفه،
ثقافة واسعة لدرجة أصبحت قوة اقتراحيه، في الوقت الذي كان يبحث فيه موظف آخر على
منفعة شخصية له، كنت الوحيد خلال مسيرتي المهنية الذي اقترح أكثر من 70 اقتراحا
كتابيا عن طريق مكتب الضبط، على جميع رؤساء المجلس، كلها تصب في المساهمة والرفع
بالمؤسسة التشريعية، ومنها على الأخص:
ü اقتراح إحداث قناة
برلمانية مراسلة لرئيس مجلس النواب بتاريخ 25 نوفمبر 1984.
ü إنشاء وحدة للتوثيق
السمعي البصري بالبرلمان مراسلة لرئيس مجلس النواب بتاريخ 27 ديسمبر 1984. حيث
صادق مكتب مجلس النواب على المشروع بالإجماع بتاريخ 8 يناير 1985، وتم عرضه على
أنظار صاحب الجلالة المغفور له الحسن الثاني.
ü إحداث وحدة للتوثيق
الفوتوغرافي، مراسلة بتاريخ 26 يناير 1998،
ü إحداث بوابة إليكترونية
للمجلس من أجل مواكبة التطور العالمي والحصول على المعلومات بالسرعة المطلوبة، مراسلة
لرئيس المجلس بتاريخ 2 غشت 1998، وقد تم ذلك بعد أربع سنوات.
ü إحداث مصلحة للصحافة
والتوثيق، مراسلة بتاريخ 4 مايو 1999،
ü اقتراح إصدار مجلة، باسم
مجلس النواب، مراسلة بتاريخ 12 يناير 2000،
ü اقتراح إنجاز شريط
توثيقي مصور حول المؤسسة التشريعية، مراسلة بتاريخ 10 أبريل 2001.
ü تخصيص فضاء بالمجلس خاص
بصور الرؤساء السابقين لمجلس النواب، مراسلة بتاريخ 2 يناير 2002.
ü اقتراح إنجاز قرص مضغوط
بالصوت والصورة مدته 20 دقيقة باللغات الثلاث، يتضمن لمحة تاريخية عن البرلمان
المغربي منذ تأسيسه سنة 1963، والتطورات التي عرفتها الممارسة البرلمانية بالمغرب،
مراسلة بتاريخ 23 مارس 2004.
ü الوقوف على عدة نقائص
وثغرات بالبوابة الإلكترونية الرسمية لمجلس النواب، مراسلة بتاريخ 30 نوفمبر 2006.
ü "دليل
النائب والمرفق بقرص مدمج" الذي وزع على أعضاء المجلس عند افتتاح الولاية
الجديدة، تعتريه أخطاء ونواقص كثيرة، مراسلة بتاريخ 16 أكتوبر 2007.
ü المساهمة بالمواضيع
والصور في مجلة مجلس النواب "دورة أكتوبر 2008" التي صدرت في شكل
أنيق.
ü اقترح إنجاز معجم للمصطلحات
البرلمانية، مراسلة بتاريخ 3 سبتمبر 2011.
ü اقتراح تزويد مجلس
النواب بأهم الرسائل والبحوث الجامعية ذات العلاقة بالبرلمان بصفة عامة، مراسلة
بتاريخ 20 ابريل 2012.
ü أما المراسلة الوحيدة
التي كانت تخصني ضمن أكثر من 70 مراسلة، هي التي تقدمت بها في 15 فبراير 2012، للسيد
رئيس مجلس النواب كريم غلاب وتتعلق بالترخيص لي بعرض مؤلفاتي ببهو مجلس النواب في
بداية الدورة الاستثنائية البرلمانية للتعريف بها بين السيدات والسادة البرلمانيين
والموظفين، على اعتبار أنها مرتبطة أساسا بعملهم السياسي والتشريعي.
فكان مصير هذه المراسلات والاقتراحات التي
تقدمت بها، من استجيب لها، ومنها ما تم الأخذ به بدون أدنى احترام لحقوق الإبداع
والابتكار، ومنها من نفذت في وقت آخر حتى لا تحسب من اقتراحاتي، ومنها لم تصل
للرئيس أصلا وكان مصيرها سلة المهملات.
فبقدر ما كنت أجتهد وأفكر وأنجز، كنت أعامل
بمعاملة لا تليق بموظف كل همه هو الرفع من المؤسسة التي يعمل بها ويعيش من فضلها.
لقد اقترحت العديد من الاقتراحات التي لها
ارتباط بالمؤسسة التشريعية، وحين التحقت سنة 1998 بديوان رئيس المجلس لاحظت أن مجلس
النواب لم يصدر كتبا من أجل التعريف بإنجازاته، واقترحت بإلحاح سنة 2001 أكثر من
مرة على عبد الواحد الراضي رئيس المجلس النواب وقتئذ، كي يصدر المجلس بعض الكتب
التي توثق لأعمال المؤسسة التشريعية وتقديمها لصاحب الجلالة عند افتتاح كل ولاية
تشريعية، الشيء أصبح بعد ذلك تقليدا سنويا وانخرط فيه مجلس المستشارين، ووزارة
العلاقات مع البرلمان.
وحين اقتنع برأيي، تم تكوين لجنة برئاسة أحد
أعضاء مكتب مجلس النواب وعضوية ستة موظفين كنت واحدا منهم من أجل إعداد مجموعة من
الكتب لها علاقة بالبرلمان. وبدأت تلك اللجنة اجتماعاتها يوم الأربعاء 16 يناير 2002
وخلال اجتماع مكتب المجلس يوم 13 فبراير 2002 صادق بالإجماع على عناوين إصدار اثني
عشر كتابا مع تكليف كل وحد منا على كتابين، باستثناء عبد ربه الذي رغم تكليفي
بإنجاز كتابين، ساهمت في جميع الكتب الأخرى، وبعد طبع تلك الكتب، استقبل جلالة
الملك يوم الأربعاء 11 دجنبر 2002 بقاعة العرش بالقصر الملكي أعضاء مكتب مجلس
النواب برئاسة عبد الواحد الراضي من أجل تقديم لجلالته مجموعة الكتب المنجزة من
قبلنا والتي كانت فكرتها من اقتراحي.
ولقد حز في نفسي كثيرا أنني ناضلت من أجل
فكرة إصدار الكتب وتقديمها لجلالة الملك، وحين تم ذلك لم تتم أي إشارة أو تنويه أو
شكر أو تشجيع أو تعويض مادي أو حتى إهدائي نسخة من تلك الأعمال.
وقتها قلت في نفسي لماذا لا أستغل ما أنجزه
لنفسي وبدأت أصدر كتابا بعد آخر إلى أن وصلت إصداراتي الآن إلى 26 كتابا أغلبها
تتصل بالمؤسسة التشريعية التي آوتني منذ زمان، وعشت فيها جزءا كبيرا من حياتي.
وأغلب هذه الإصدارات موجودة في كل خزانات ومكتبات الدنيا، بل وصلت للجامعات
العالمية الكبرى من قبيل جامعة أوكسفورد بإنكلترا وهارفارد بأمريكا، ومكتبة
الكونغرس الأمريكي فرع القاهرة، والمكتبة الوطنية الإسرائيلية وبالمكتبة الوطنية وخزانة
أكاديمية المملكة المغربية، كما يتم الاعتماد عليها بالجامعات المغربية.
وسأخصص لكل كتاب ورقة تعريفية به
وشكرا لكم جميعا والسلام عليكم ورحمة الله
عبد الحي بنيس: رئيس المركز المغربي لحفظ ذاكرة البرلمان