الإصدار الثامن بعنوان:
"أروع الحكايات من أفواه الجدات"
يحتوي هذا الكتاب على 340 صفحة
صدر عن دار الأمان للطباعة والنشر والتوزيع سنة 2010
كثيرا ما ترددت عن
اقتحام عالم الحكايات الشعبية ونبش الموروث الشعبي، لعدة اعتبارات ذاتية وموضوعية،
تأتي في طليعتها اعتبار الحكاية الشعبية عبارة عن نصوص مجهولة
المؤلّف، يتمّ تناقلها وتداولها شفهياً، بحيث تصبح لكل حكاية صيغا
متعددة وأوجها مختلفة وطرقا للسرد والحكاية متباينة تختلف باختلاف الرواة، غير أنه
سبق لي في مقدمة المؤلف الذي وضعته تحت عنوان: أطيب الأحاجي والأمثال من
أفواه النساء والرجال، أن واعدت القراء الأعزاء بالتطرق في نسخة تتلو المؤلف
المومإ إليه أعلاه إلى أدبيات فن الحكاية الشعبية، وقد أجد في هذا الوعد الذي
قطعته على نفسي سببا قويا لإخراج هذا الكتاب في حلته الجديدة، متيقنا أن محتواه
الغني والشهي والمشوق سيجد فيه المتلقي بحول الله ضالته ومتعته الفنية والأدبية.
هذا، ويمكن اعتبار الحكاية الشعبيّة عملا أدبيا
وجنسا من أجناس الإبداعات التراثية الأدبية، تناقلتها الأجيال تلو الأجيال شفهياً،
قبل أن تدخل مرحلة التدوين والكتابة، ولا ينبغي في نظري الخلط بين الحكاية الشعبية
وبين كل من القصّة والأقصوصة والنادرة والطرائف وغير ذلك من الفنون النثرية
بمواصفاتها الأدبية.
إن الحكاية الشعبيّة
عبارة عن نص شبه ثابت بمعنى أنّ هناك جزء ثابت وآخر متحوّل، وهذا التلون بين
الثابت والمتحول فرضته عدة معطيات وتداخلات، إذ يلاحظ المتلقي أن الحكاية الشعبية
تتبدل بحسب ظروف النشأة أو الراوي أو العصر وغيرهم. كما أن طريقة تواترها
تختلف باختلاف ثنائية الزمن والمكان، أما القصّة كفن أدبي إبداعي وعلى سبيل المثال
فهي غالبا تجسيد صورة عن الحكاية في لحظة معيّنة غالبا ما تبتدئ بعقدة وتنتهي بحل،
بينما تبقى الحكاية الشعبية سلسلة أحداث تروى كما هي دون تعليق أو شرح أو تحليل
نفسي للأشخاص والوقائع.
والحكاية الشعبية جديرة
بالحفظ والعناية والتوثيق، لأن إضاعتها أو تجاهلها هو إتلاف وإضاعة لموروث الأمة،
وهو إتلاف لا محالة لذاكرة الشعوب وموروثه الفني الأدبي والتاريخي، لأنها غالبا ما
تعالج القضايا الرئيسيّة في حياة الفرد من قبيل الحب والكره، الحيلة والعار، المكر
السيء والذي لا يحيق إلا بأهله، ومن قبيل الفرج بعد الشدة وسعة الرزق
بعض الضيق، ومن قبيل عدة متناقضات...، وهذه الجوانب التي تلامس الحياة
المعيشة للأفراد هي التي جعلت من الحكايات الشعبية أدباً مشتركاً وقاسما اجتماعيا
يجمع بين الشعوب، إذ لا توجد أمة ليس لديها حكايات شعبية تعالج الموضوعات
عينها تماماً.
لعل كل فرد منا إلا
ويتذكر جلسات الأنس والسمر، وكيف كنا نلتف حول الجدة الحنونة وهي تحكي لنا حكايات
ممتعة تشد بها أنظارنا وتقطع من خلال أحداثها وشخوصها أنفاسنا، مستهلة حكايتها
بقولها: كان يا مكان في قديم الزمان، الحبق والسوسان في حجر النبي العدنان
سيدنا محمد الرسول عليه الصلاة والسلام، وغالبا ما تختمها بقولها: وهكذا مشات حكايتنا
مع الواد وبقينا حنا مع الجواد.
ولعلنا افتقدنا
اليوم في زخم الحياة وضجتها والتسابق نحو لقمة العيش والخوض في مشاكل الأسرة وضغط
العمل، افتقدنا ذلك العالم الجميل، يوم كنا أطفالا أبرياء وكانت حكايات جداتنا
تداعب خيالنا الصغير وهي تحكي لنا حكاية الأقزام السبعة، والجميلة والوحش والصياد
والسمكة...وغير ذلك كثير.
إن الحكايات الشعبية
تنقل الفرد من مكان إلى آخر وتسرح به في غياهب وفضاءات هذا الكون العجيب، وتستغل
مساحات كبرى من خيالات الفرد الجامحة، وهذه المساحات تسمح باستعمال الحكاية
واستخدامها لتكوين شخصيّة الفرد ولاسيما في مرحلة الطفولة، وبذلك فالحكاية تؤسّس
للجانب التربوي أكثر من جانب السرد والحكاية.
وتبقى مع هذا وذاك
الحكايات الشعبية غنيّة بالتجارب في مواجهة تحديات الزمن الصعب والأيام القاسية،
وهي حكايات تختزن كما هائلا من التجارب الإنسانيّة العميقة، ومن هذا المنطلق تولدت
لدي القناعة بضرورة جمع وتدوين هذه الحكايات نظرا لوقعها الايجابي من حيث حفظ
وتدوين الذاكرة التراثية للمجتمع المغربي، فالحياة رحلة تبدأ من كان يا مكان
وتستمر مع الزمان....
بمناسبة هذا الكتاب لقد لدي صفحة في يوتوب أروي فيها سلسلة أروع الحكايات
من أفواه الجدات.